فوزي آل سيف
95
من قصة الديانات والرسل
فلسطين، تعاليم اليهودية حتى أصبح من اليهودِ الفريسيين المتعصبين ليهوديتهم؛ إذ كانوا يتعاملون مع كلِّ مخالفٍ لهم في دينهم أشدَّ المعاملةِ وأعنفها. فكان بولس المنتمي إلى تلك الفئةِ المتشددةِ؛ من أشدِّ الناس على كلِّ من آمن بالمسيح؛ يُذيقهم القتلَ، ويشي بهم عند حاكم الرومان. حتى قيل إنه شهد عمليات اعدام للمسيحيين على يد الرومان وبتأييد من الكهنة اليهود، بل ترقى في هذا كما قيل حتى كان يتتبع المؤمنين بالمسيح خارج اورشليم وفلسطين ليقبض عليهم ويسلمهم للسلطات، وفي هذا الإطار فقد قيل إنه اتجه إلى بلاد الشام ـ سورية حاليا ـ للبحث عنهم، فكان تحوله في الطريق إلى المسيحية كما يقال! قال هو إنّ الرب تمثّل له وأعلن له عن (ابنه).[299]وبينما كان في تطرفٍ كبيرٍ لليهودية مقاومًا شرسًا للمسيحية وأتباع المسيح، فقد انتقل بعدها إلى تطرّفٍ مقابلٍ، وأصبح ذا حماسٍ ملتهبٍ في نشرِ المسيحية والتبشيرِ بها؛ يقطعُ المسافاتِ الطويلة من أجل ذلك الهدف؛ فقد قيل إنه وصل إلى أسبانيا وروما وفرنسا، وزارَ الشرق الأوسط في نشاطٍ دعويٍّ تبشيريٍّ محمومٍ؛ يحركه التطرف لدينه الجديد الذي كان قبلاً متطرفًا لليهوديةِ ضده. أثر بولس في عقائد المسيحيين: لما له من كبير الأثر سواء في نشر المسيحية، أو في هيكلة عقائدها أو استحداثِ عقائدَ جديدةٍ فيها؛ لقب بـ (الرسول)، بل يكاد يعدُّ الباحثون بولس هو المؤسس الحقيقي للكنيسة المسيحية. ومع أنه في الظاهر بعدما اعتنق المسيحية ورجع إلى أورشليم درس على يد بطرس (أحد تلامذة المسيح) إلا أن آثاره وأفكاره تتجاوز بكثير ما تركه استاذه في المسيحية. وبعد جولات تبشيرية قيل إنها وصلت إلى أنطاكية وأطراف تركية والأناضول ثم اليونان فضلًا عن بلاد الشام، وكتابات ورسائل ـ ستبقى مؤثرة في الفكر المسيحي ـ حوكم من قبل السلطة الرومانية وأعدم في حوالي سنة 64 للميلاد. العقائد التي استحدثها أو ركزها بولس: 1- بُنوة عيسى بن مريم لله – تعالى الله عن ذلك –: لم تكن هذه العقيدةُ موجودةً في المأثوراتِ من الأناجيل، بل إنّ الإشارات لعيسى فيها على أنّه ابنُ الإنسان، ابنُ مريم. وضع (بولس) عقيدةَ الابن (أنّ عيسى ابنُ الله)؛ كي يضفي زخمًا غيبيّـًا لاهوتيـًا؛ منطلقـًا من أنّ عيسى تكوّن بكلمة الله؛ فهو جزءٌ من الله وبالتالي هو ابن الله! أشار(بولس) إلى عقيدةِ بنوةِ عيسى لله في رسائله التبشيرية الكثيرة إلى المناطق المختلفة. ولقد اكتسبت تلك الرسائل صفة الوثائق للمسيحية وأصبحت جزءًا من تراثها العقدي. 2- عقيدة الخطيئة والخلاص: وهي أولُ وأهمُ عقيدةٍ عندَ المسيحيين وبها يفتحون البلاد. ومؤدّاها أنّ خطيئةَ آدم في الجنة – بزعمهم – انسحبتْ على جميع وِلده؛ فكلّ البشر دون استثناءٍ خاطئون مذنبون بخطيئةِ أبيهم آدم!. ولـمّا كان الله يحبُّ خلقه، ويريد رحمتهم أنزل ابنه (عيسى) من السماء إلى الأرض؛ كي يتحمّل آلام الصلب والتنكيل والتعذيب؛ فتكونَ آلامه وعذاباته فداءً لخطيئة البشر!، وخلاصًا لهم من عذاب يومِ القيامة، وتكفيرًا لخطيئةِ أبي البشر آدم. لقد نالتْ هذه العقيدةُ رواجًا منقطعَ النظير؛ لأنها تلامس العواطف، وتزيلُ عن كاهل اللاهين والمنغمسين في الذنوب والخطايا – تزيل عنهم – التبعاتِ بمجرّد إعلانِ حبهم للمسيح!.
--> 299 يرى الباحثون في العقيدة المسيحية ـ كما سيأتي أنه هو من أدخل فكرة بنوة المسيح لله!